علم النفس التربوي
(نظرية بافلوف - نظرية إسكنر)
1 مفهوم النظرية.
2 قوانين التعلم عند بافلوف.
3 التطبيقات التربوية لهذه النظرية.
4 نظرية التعلم الشرطي الإجرائي للعالم إسكنر.
مفهوم النظرية
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
النظرية الثانية من نظريات الاتجاه السلوكي لتفسير عملية التعلم وهي نظرية بافلوف أو نظرية الاشتراط أو الارتباط الشرطي الكلاسيكي
بدأت أبحاث العالم الروسي إيفان بافلوف، بدراسة فسيولوجية الجهاز العصبي عند الكلاب، وقد نال بهذا شهرة واسعة في هذا المجال، رشحته لنيل جائزة نوبل، وعلى الرغم من ذياع سيطه في المحافل العلمية، تجاه المجال الفسيولوجي، إلا أن أعظم اكتشافاته كانت في مجال دراسة سلوك الفعل المنعكس الشرطي، حيث كانت أمريكا في تلك الآونة، وخاصة في أوائل القرن العشرين غارقة في استخدام علم النفس الاستبطاني، والاقتصار على دراسة الشعور.
وقد تبين لبافلوف خلال إجراء العديد من التجارب على الكلاب، أن المثير الذي يصاحب تقديم الطعام إلى الكلب، كرؤية الآنية التي يوضع فيها الطعام للكلب، أو الصوت الصادر من وضع تلك الآنية على المنضدة، أو حتى صوت وقع أقدام حامل الطعام للكلب، كل هذا يحدث إسالة للعاب الكلب، وبهذا خطر لبافلوف المقولة التالية، أو النظرية أو المفهوم:
إذا كان الطعام داخل فم الكلب يعتبر مثيرًا طبيعيًّا، فمما لا شك فيه أنه يثير بفعل منعكس، إلا أنه من الصعوبة أن نجد أنه بمجرد وقع بصر الكلب على آنية الطعام، أو مجرد سماعه وقع أقدام حامل الطعام، يعتبر مثيرًا طبيعيًّا لهذه الاستجابة، ألا وهي إسالة لعاب الكلب.
ومن ثم نجد أن هذه الظاهرة قد أثارت بافلوف، وبهذا حاول أن يدرس مدى استجابة الكلب لمثير صناعي، كصوت الجرس خلال مصاحبته للمثير الأصلي، وهو تقديم الطعام؛ أي: أن المثيرات الفعل المنعكس الشرطي، التي ركّز عليها بافلوف، تشكِّل جزءًا من سلوك الإنسان، ومعنى أفعال منعكسة شرطية لا دخل لنا فيها، أو لا إرادية تتم، فإسالة اللعاب لا دخل لنا فيها، تتم بدون إرادة، إذا وضع الطعام في الفم، والتي لا يكون المثير فيها محددًا بهذا الشكل، من حيث علاقته بالاستجابة، كذلك لا تكون العلاقة فيها بين المثير والاستجابة، عندما تظهر لأول مرة محددة واضحة.
فغالبًا ما لا يعد سلوك الإنسان من نوع الأفعال المنعكسة، وبالتالي فإن سلوك الإنسان ليس من النوع، الذي يسهل التنبؤ به، فنعطي مثالًا بسيطًا من مواقف حياتنا اليومية، نلاحظ أن سائق عربة الحنطور، عندما يضرب بسوطه في الهواء، فإن الحصان يجري، كما نتذكر جميعًا أن كلًّا منا، قد مر بخبرات مؤلمة، تتعلق ببعض المأكولات أو المشروبات، وهنا يُثار الاستفسار في كيفية حدوث تعلّم الحصان الجري، بمجرد سماعه فرقعة صوت السوط يعني: الكرباج.
وكيف حدث أن كره الطفل بعض المشروبات، أو المأكولات بعد أن كان يحبها! فإذا ما حللنا هذه المواقف، نجد أنه في حالة الحصان أن السائق عندما يفرقع السوط عدة مرات قبل ضرب الحصان، يعد هذا قيام بضربه، مما أدى إلى تعلم الحصان أن يجري من مجرد فرقعة السوط، قبل أن يُضرب، وفكرة أن الضرب هنا مثير طبيعي، أو الأكل مثير طبيعي، فإن فرقعة السوط في الهواء هو مثير غير طبيعي أو مثير شرطي.
ولذلك فكرة الارتباط ما بين المثير الشرطي والمثير الطبيعي لاستدعاء الاستجابة الطبيعية، هي فكرة نظريات، أو تفسير نظرية بافلوف لعملية التعلم؛ أي: أننا نربط في تعلمنا أشياء كثيرة، غير السطور التي توجد في الكتاب في المكان، مثير غير طبيعي، مثير شرطي، أو الأشخاص الذين تم المذاكرة معهم مثير غير شرطي، أما منبع المثير الطبيعي فهي المعلومات التي توجد في الكتاب.
إذن الرابطة أو تقوية الرابطة ما بين المثير الطبيعي، الذي يحدث الاستجابة الطبيعية، كفعل منعكس غير المثير الغير طبيعي، الذي سماه شرطي هو الذي يحدث الاستجابة الشرطية، التي هي الاستجابة الطبيعية.
الوقائع التجريبية التي لجأ إليها بافلوف؛ لإثبات العلاقة بين، أو تقوية الرابطة بين المثير الطبيعي، والمثير الشرطي؛ لاستدعاء الاستجابة الطبيعية، المثير الطبيعي هو الطعام، الذي قدمه بافلوف في تجاربه، والمثير الشرطي هو الجرس أو الضوء، الذي قدمه بافلوف في تجاربه، والاستجابة هي إسالة اللعاب، سواء كان الاستجابة آتية من الطعام كمثير طبيعي، أو من الجرس كمثير شرطي.
عملية الربط بين المثيرين لإعطاء الاستجابة؛ أو لتقوية الاستجابة: هي جوهر فكرة الاشتراط البسيط، تجربته الشهيرة هي: جهز بافلوف حجرة المعمل، التي يجري فيها تجاربه على الكلاب، بالعديد من الأجهزة التي يمكن بواسطتها جمع لعاب الكلب مباشرة، من غدده اللعابية، دورق بأنبوبة وصلها في لعاب الكلب، بحيث إن اللعاب كله ينزل في هذه الأنبوبة، هذه الأنبوبة لديها مقاسات سنتيمترات باللعاب مثلًا، وتم تسجيل كمية اللعاب المسال، كما بطن جدارها، بحيث لا تنفذ الأصوات والمثيرات حجرة المعمل الخارجية إلى داخل حجرة المعمل، ثم وضع كلب التجارب على المنضدة، وربطه بحيث لا يستطيع الحركة، ثم أخذ يكرر هذه العملية في بادئ الأمر عدة مرات، وهي إحضار الكلب إلى نفس الحجرة، ثم ربطه فوق المنضدة، وهكذا حتى يتعود الكلب على جو المعمل، ومن ثم لا يحدث أي معوقات أثناء إجراء التجربة.
وعند بداية التجربة أحضر بافلوف الكلب، الذي دربه من قبل على الوقوف على المنضدة مربوطًا جائعًا؛ لكي يستجيب للمثيرات أي: أن دافع الجوع في التعلم أو الدافعية في التعلم موجودة؛ لكي يستجيب للمثيرات التي يتعرض لها خلال التجربة، وربطه بالمنضدة كما تعود من قبل، ثم بعد مدة أسمعه بافلوف صوت الجرس، وفي بادئ الأمر استجاب الكلب لهذا المثير الجديد، وعليه القيام ببعض الحركات الاستطلاعية، ولكن لم تصدر عن الكلب أي استجابة؛ لإسالة اللعاب.
وبعد عدة ثواني من سماع الكلب لصوت ذلك الجرس، قدم بافلوف الطعام المحبب للكلب الجائع وهو اللحم فأكله، سجل كمية اللعاب المسال عن الطريق الجهاز الخاص بذلك، ثم قام بافلوف بتكرار هذا الموقف على نفس الكلب عدة مرات، إذ كان كلما سمع الكلب صوت الجرس، كان يقدم له الطعام، وتحدث خلال ذلك استجابة إسالة اللعاب، وتلي ذلك أن قام بافلوف بتقديم مثير صوت الجرس فقط بدون الطعام، دون أن يقدم للكلب أي طعام، فتبين أن لعاب الكلب يسيل على الرغم من ذلك.
واستنتج بافلوف من هذا الموقف الأخير، أنه إذا قمنا بإشراط استجابة معينة، بمثير مصاحب لمثيرها الأصلي، بعد تكرار هذه العملية العديد من المرات، ثم أبعدنا المثير الأصلي، وقدمنا المثير المصاحب فقط، فإن الاستجابة الشرطية تحدث، وبمعنى آخر: فإن الاستجابة الشرطية التي تحدث للمثير الجديد، هي نفس الاستجابة، التي كانت تحدث للمثير الأصلي، ومن ثم فإن الاستجابة ثابتة لا تتغير، وإنما تحدث للمثير الأصلي، ومن ثم فالاستجابة ثابتة لا تتغير، وإنما تحدث لمثير آخر غير مثيرها الأصلي.
الصوت مثير آخر، الصوت فقط لا يعطي إسالة اللعاب، الصوت مرتبط بالطعام كمثير طبيعي، يؤدي إلى الارتباط بين المثير الأصلي والمثير الشرطي؛ ولكي يتضح هذا أكثر نقول: إن إعطاء الطعام يمثل المثير الأصلي أي: المثير غير الشرطي المثير الطبيعي، وإسالة اللعاب عند إعطاء الطعام هي الاستجابة الأصلية، أي الاستجابة غير الشرطية، أو الاستجابة المنعكسة، وصوت الجرس هو المثير الشرطي، وإسالة اللعاب عند سماع صوت الجرس في المرات الأخيرة من التجربة هي الاستجابة الشرطية؛ أي: الاستجابة المتعلّمة.
وقد أرجع بافلوف عملية التعلم هذه التي حدثت داخل المعمل إلى نوع من الارتباط، بين المثير والاستجابة، إلا أن الارتباط ها هنا لم يتم بين المثير الأصلي والاستجابة الطبيعية الخاصة به، ومن ثمّ أطلق على تلك الاستجابة التي لم تحدث لمثيرها الأصلي بالاستجابة الشرطية، وقد استخدم بافلوف في تجاربه على الكلاب العديد من المثيرات الشرطية المتباينة، كالمثيرات السمعية: سماع الكلب لصوت الجرس، والمثيرات البصرية: رؤية الكلب لضوء معين، والمثيرات اللمسية: كلمس شعره.
ثم كان يقيس مدى قوة الاستجابة الشرطية، عن طريق كمية اللعاب المسال في كل محاولة، يتعرض لها الكلب لأحد تلك المثيرات، التي ذُكرت آنفًا.
إذن هذا الموقف من الارتباط يتكون من متغيرات السلوك الشرطي، ما هي؟
تتضمن متغيرات السلوك الشرطي:
1- المثير غير الشرطي، وهو أي مثير قوي أو فعال، يعمل على خروج استجابة غير متعلمة بشكل منتظم نسبيًّا إلى حيز الوجود، ويمكن قياسها، وفي تجارب بافلوف كان هذا المثير غير الشرطي هو اللحم.
الاستجابة غير الشرطية: وهي الاستجابة غير المتعلمة المنتظمة نسبيًّا، ويمكن قياسها، والتي نتجت عن مثير غير شرطي، وهي في تجارب بافلوف اللعاب المسال من الغدد اللعابية عند الكلب.
هذا هو المثير غير الشرطي، الذي يؤدي إلى الاستجابة غير الشرطية أي: أن الطعام يؤدي إلى الاستجابة، وهي إسالة اللعاب.
3- من المتغيرات في السلوك الشرطي: هو المثير الذي يسبق المثير غير الشرطي، وفي أغلب تجارب بافلوف كان هذا المثير الشرطي هو صوت الصفارة، أو الجرس، الذي كان يطلقه قبل تقديم الطعام إلى الكلب.
الاستجابة الشرطية: وهي الاستجابة المتعلمة، التي تشبه الاستجابة الطبيعية، أو غير الشرطية، وكانت في تجارب بافلوف إفرازات الغدد اللعابية للكلب، تجاه المثيرات الصوتية، التي كانت تصدر عن طريق الجرس.
إذن هناك أربع متغيرات تمت في تجارب بافلوف، وهي المثير غير الشرطي الطعام، الاستجابة غير الشرطية هي إسالة اللعاب، المثير الشرطي هو الجرس قبل تقدم الطعام، ثم الاستجابة الشرطية، وهي إسالة اللعاب أو إفرازات الغدد اللعابية.
كيف تمت هذه الرابطة بين المثير غير الشرطي والمثير الشرطي؛ لاستدعاء الاستجابة الشرطية؟
قدم لنا بافلوف طرق الاشتراط الكلاسيكي، طرق تجريبية أجراها في معمله.
أجرى بافلوف العديد من التجارب على الطرق المختلفة، التي يمكن أن توجد لنا العلاقة بين تقديم كل من المثير الشرطي، والمثير الغير الشرطي، أو المثير الطبيعي؛ بغية التوصل إلى أفضل الطرق، التي يتم بمقتضاها الإشراط أو الارتباط الجيد، وتبين له أنه من أفضل هذه الطرق هو أن يسبق المثير الشرطي المثير الطبيعي بفترة زمنية قليلة؛ لكي يمكن إتمام الارتباط الشرطي، وفي السطور التالية، سنحاول إلقاء المزيد من الضوء على هذه الطرق:
الطريقة الأولى: الاشتراط المتزامن، ويتم فيها تقديم المثير الشرطي في نفس الوقت، الذي يُقدم فيه المثير غير الشرطي، هو المثير الطبيعي أي: يقدم الجرس مع الطعام وفي هذا الموقف يحدث تداخل بين كلا المثيرين؛ لأنه لا يتاح للكلب الوقت؛ للتعرف على المثير الشرطي في وجود المثير الطبيعي؛ أي: لأن الاستجابة التي أتت في إسالة اللعاب، جاءت من الطعام، وليس من الجرس.
الطريقة الثانية: هي الإشراط البعدي، هنا يتم تقديم المثير الشرطي للكلب، بعد تقديم المثير غير الشرطي الطبيعي، أي: تقديم الطعام أولًا ثم تقديم الجرس ثانيًا، ومن ثم فإن التعلم خلال هذا الموقف يكون ضعيفًا، نتيجة لوجود تداخل بين كلا المثيرين، وبهذا يعتبر أيضًا هذا النوع من الإشراط غير مجدي.
الطريقة الثالثة: الإشراط القبلي، وهو نوعان، في الإشراط القبلي نقدم الجرس أولًا، ثم الطعام ثانيًا، قسَّمه بافلوف إلى نوعين هما: الإشراط المتتابع، وهو الذي يقدم فيه المثير الشرطي قبل تقديم المثير غير الشرطي، أي: نقدم الجرس قبل الطعام، ولكن يوجد فترة زمنية بين تقديم كل منهما، ومن ثم لا يحدث أي تداخل بين كلا المثيرين، وبهذا يعتبر هذا النوع من الإشراط غير مجدي.
النوع الثاني: الإشراط المرجأ، والذي يقدم فيه المثير الشرطي قبل تقديم المثير غير الشرطي، أي: تقديم المثير الجرس قبل تقديم الطعام بوقت قصير، والذي يظل حتى تقديم المثير غير الشرطي، وبهذا يتضح لنا وجود تداخل بين كلا المثيرين، ويعتبر هذا النوع من الإشراط من أفضل الأساليب، التي استخدمها بافلوف، والتي أعطت أفضل النتائج عن الإشراط الكلاسيكي.
ثلاث طرق للإشراط: إشراط متزامن، إشراط بعدي، إشراط قبلي، وأفضلها الإشراط القبلي، وخاصة المؤجل أو المرجأ منها.
تبين لبافلوف أن الدافعية شرط أساسي لعملية الإشراط الكلاسيكي، حيث تعتمد الاستجابة الشرطية في مدى سرعتها، أو بطئها على درجة جوع الكلب، كما تبين له من نتائج التجارب، التي أجراها أن الكلب الجائع يكون مستعدًّا تمام الاستعداد لعملية الإشراط؛ لأن لديه دافع الجوع، بينما في حالة شبعه يندر أن نحصل على الاستجاب.
قوانين التعلم عند بافلوف
أما بالنسبة لقوانين التعلم، التي خرجت بها النظرية، فتوجد عدة قوانين مختلفة ساقها بافلوف من نتائج تجاربه العديدة على الكلاب، وكذلك على الأرانب وغيرها، والتي استخدمت فيما بعد كقوانين لتغير السلوك أو التعلم، وهي على النحو التالي:
1- قانون الانطفاء:
وهو عدم ظهور الاستجابة المتعلمة، أو الاستجابة الشرطية؛ نتيجة لعدم تعزيزها بالمثير الطبيعي، فوجد بافلوف على الرغم من تعرض الكلب للمثير الشرطي، وبمعنى آخر: عدم قدرة المثير الشرطي على استدعاء الاستجابة، حيث يحدث هذا بعد فترة من تكرار المثير الشرطي بدون تعزيز، كذلك يحدث الانطفاء بسرعة للاشتراطات غير القوية، بينما يتأخر بعض الشيء في حالة الاشتراطات القوية، التي تمت بتعزيز مكثف.
وقد لاحظ بافلوف أنه بعد تكوين الاستجابة الشرطية لدى الكلب، أن قام بتقديم المثير الشرطي باستمرار عدة مرات متتالية بدون تعزيز الطعام، فوجد أن الاستجابة بدأت تتلاشى بالتدريج؛ حتى اختفت نهائيًّا، بمعنى: أنه بعد وصول بافلوف؛ لأن الجرس أو المثير الشرطي يُعطي إفرازات اللعاب، وهي الاستجابة الشرطية، بعد تكرار الرابطة بين المثير الشرطي مع المثير غير الشرطي أو الطبيعي، بدأ يسحب من التجربة الطعام، ويقدم الجرس فقط، فعندما قدم الجرس مرة بدون الطعام، كانت إفرازات اللعاب موجودة.
لأن ما زالت شدة التعلم موجودة، كررها مرة أخرى؛ جرس بدون طعام بدأت تقل كمية إسالة اللعاب، أو إفرازات اللعاب؛ لأن الكلب أحس أن الجرس ليس وراءه تدعيم بالمثير الطبيعي، وكررها ثالثة ورابعة وخامسة، فبدأت تنطفئ أو تزول أو تمحو من سلوك الكلب، كلما سمع الجرس لا تسال اللعاب في النهاية بعد تكرارها عدة مرات، وهذا ما يسمى بقانون انطفاء الاستجابة المتعلمة؛ لأن لابد أن تكون هناك تدعيم لهذه الاستجابة؛ حتى تبقى في سلوك الكائن الحي.
القانون الثاني: قانون الاستراجاع التلقائي:
وانطفاء استجابة الكلب السابقة كما ذكرنا آنفًا، لا يكون بشكل نهائي، فقد تبين لبافلوف أنه إذا قدم المثير الشرطي للكلب، بعد انطفاء الاستجابة بفترة زمنية كافية؛ كي يستريح فيها- فإن الاستجابة في هذه الحالة تعود للظهور مرة جديدة، إلا أن هذه العودة لا تستمر طويلًا ما لم يحدث تعزيز جديد، حيث يكون الانطفاء في هذه الحالة سريعًا، كذلك فإن احتمال ظهور الاسترجاع التلقائي، يقل في حالة التعزيزات غير القوية.
أي: أن بعد انطفاء الاستجابة لدى الكلب، وهي إفرازات اللعاب بوجود الجرس، بدأ يقدم أو يربط الجرس ثم الطعام، فهنا تعود الاستجابة تلقائيًّا، ويستمر بتعزيز الجرس مع الطعام؛ أي: أن الاستجابة المتعلمة لا تمحو من سلوك الكائن الحي، وإذا كانت قوية فإنها تستمر لفترات طويلة.
القانون الثالث: هو قانون التعميم:
عندما يتم إشراط الاستجابة إلى مثير معين، كما تم إشراط الطعام بالصوت، فإن المثيرات الأخرى المتشابهة للمثير الأصلي، يصبح لديها القدرة على استدعاء نفس الاستجابة، وفي تجارب الكلب نجد أن تعلم استجابة إسالة اللعاب، عند سماعه أي مثير كصوت الجرس، أو الشوكة الرنانة، يصبح الكلب قادرًا على استدعاء تلك الاستجابة، عندما يتعرض لأي مثيرات أخرى متشابهة.
كمثال الطفل الذي عضه الكلب، لديه استجابة الخوف من الكلاب، والبعد عنها، نجد أن هذه الاستجابة تظهر عند مشاهدة أي حيوان آخر يشبه الكلب.
ومجمل القول: كلما كانت هذه المثيرات متشابهة للمثير الأصلي، كلما زاد احتمال حدوث الاستجابة أي: أن الكلب هنا لا يفرق بين مصدر الصوت من جرس، أو من شوكة رنانة ، أو من أي مصدر آخر؛ لأنها مثيرات متشابهة، وهنا يعمم الفرد أو الكلب في التعلم بين المثيرات، أو المواقف المتشابهة.
القانون الرابع: قانون التمييز:
يعتبر التمييز عملية مكمّلة لظاهرة التعميم، حيث يعتبر التعميم استجابة للمثيرات المتشابهة، وإن اختلفت في الدرجة في شدتها، بمعنى أن الكائن الحي يستجيب إلى المثيرات، التي تشبه المثير الأصلي، أما التمييز فيعتبر استجابة إلى المختلفات، بمعنى أن الكائن الحي بمقدوره أن يميز في تلك العملية المثيرات المختلفة الموجودة في الموقف، ومن ثم لا تحدث الاستجابة إلا للمثير المعزز، أما الاستجابات الأخرى فيحدث لها انطفاء.
بمعنى آخر: إذا كان هناك مثيران يحدثان معًا، وكان التعزيز يتم لأحدهما دون الآخر، فإن الكائن الحي يتعلم الاستجابة للمثير المعزز فقط دون الآخر، أي: أننا لو قدمنا في تجارب بافلوف الضوء مثلًا، والكلب متعلّم لمثير الصوت، فإنه لا يستجيب للضوء؛ لأن الضوء مثير مختلف عن الجرس.
القانون الخامس: وهو قانون التدعيم:
تبين لبافلوف من نتائج تجاربه العديدة على الكلاب: أن الاستجابة الشرطية لا تتكون إلا إذا اقترن المثير الطبيعي بالمثير الشرطي، أي: اقترن الطعام بالجرس، وبشرط أن يكون هذا التتابع مباشرة، وذلك لعدة مرات متوالية، كذلك فإنه متى تكوّنت تلك الاستجابة، فإنها لا تثبت إلا إذا دُعِّمت من وقت لآخر، وبصورة منتظمة، حيث يسمى تقوية الرابطة بين المثير الشرطي، والاستجابة الشرطية، هذا يسمى بالتدعيم.
ونجد في تجارب بافلوف أن التدعيم نشأ من جراء إشباع دافع الجوع لدى الكلب، الذي أدى إلى خفض حالة التوتر لديه.
2- القانون السادس: قانون شدة المثير:
ويطلق البعض عليه قانون المرة الواحدة، ويرجع هذا إلى أن الارتباط، الذي يتم بين المثير الشرطي والاستجابة الشرطية أحيانًا، يحدث من اقتران كل من المثير الشرطي بالمثير الطبيعي، بدون تكرار مرة واحدة فقط، بدلًا من تكرار هذا اللقاء عدة مرات، وغالبًا ما يتم ذلك في حالة ما يكون المثير شديدًا جدًّا، وواضحًا في الكم والكيف لدى الكائن الحي.
ونلخِّص في تجارب بافلوف أن المثير الغير شرطي، أو الطبيعي هو الطعام، الاستجابة غير الشرطية هي إسالة اللعاب، المثير الشرطي هو الجرس، والاستجابة الشرطية هي إسالة اللعاب كذلك، فإذن عملية الربط وتقوية الرابطة بين المثير الطبيعي أو المثير غير الشرطي، والمثير الشرطي أو المثير الصناعي، الذي قدمناه الغير طبيعي لاستدعاء الاستجابة الطبيعية، وهي إسالة اللعاب.
هذه هي قوانين بافلوف: قانون الانطفاء، قانون الاسترجاع التلقائي، قانون التعميم المتشابهات، قانون التمييز للاختلافات، قانون التدعيم في الموقف التعليمي، قانون شدة المثير، التي قد يتعلم منها لأول مرة.
التطبيقات التربوية لهذه النظرية
يبقى أمامنا التطبيقات التربوية لهذه النظرية، أو التساؤل الهام، ماذا نستفيد من قوانين، ومن تفسير بافلوف لعملية التعلم في نظرية الاشتراط الكلاسيكي؟
بسؤال آخر: كيف نستفيد من مبدأ الاقتران الشرطي في العملية التربوية؟
إن هذا المبدأ يكشف عن أن المعلم، أو الرئيس، أو المدير، الذي يعاقب أو يثير الألم عند تلاميذه أو مرءوسيه، أو العاملين تحت إمرته، يصبح عندهم مثير للخوف، خوف من المعلم يقترن بهم من درس ومن دروس وحصص وأعمال مقترنة بكراهية هذا المعلم أو هذا المدير؛ فلذلك يجب العمل على إقران العمليات التعليمية جميعها بحالة ارتياح بدون خوف.
أي: أن تصحب العمليات التعليمية حالات من السرور؛ حتى تتم عمليات التعلم والنمو للفرد، وعمومًا يلعب الارتباط الشرطي، الذي اقترحه بافلوف دورًا هامًّا في عملية التطبيع الاجتماعي، فالطفل يتعلم الإماءات من والده نتيجة ارتباطها شرطيًّا بمثيرات أخرى، أيضًا عند عقاب الأب ابنه توجد مظاهر تسبق العقاب الفعلي، وبذلك تكتسب هذه المظاهر القدرة على إحداث الاستجابة، التي يثيرها العقاب، وبالتالي يتوقف الطفل عن أداء النشاط، الذي لا يرضى الأب بدون العقاب ذاته.
كما يمكن الاستفادة بهذه النظرية، والاقتران الشرطي في تعلم كثير من أنواع السلوك، وخاصة السلوك اللغوي، وتعلم اللغات، والنطق الصحيح للكلمات، وتعلم أسماء بعض الأفراد بارتباطهم ببعض الأماكن، أو الربط بين الصور والكلمات، كما كانت في الطريقة الكلية، التي سُميت زمان في مدارستنا بطريقة شرشر، حيث ترتبط الصور والأشكال برسم الحروف، التي تمثل كلمات، وذلك حتى تكتسب الكلمة، كمثير شرطي خصائص الصورة، التي ارتبطت بها كمثير غير شرطي.
كما يفيد التعلم الشرطي الكلاسيكي في ميدان التعلم الانفعالي، الذي يتمثل في تكوين الاتجاهات والعواطف والقيم، وذلك بارتباط الحالات الانفعالية من خوف، وحب، وكراهية، وقلق، وميل نحو، أو ميل عن مع بعض المثيرات الأخرى، ويتضح أهمية التعلم الانفعالي إذا عرفنا أن كثيرًا من حالات التسرب والهروب من المدرسة، تتسم باتجاهات سالبة نحو المدرسة، كما يفيد التعلم الشرطي في العلاج النفسي، حيث يقوم المريض النفسي بتفريغ شحنته الانفعالية، وما كان سببًا في مرضه في وجود معالج لا يعاقب أي: يقوم المريض بتذكر، وذكر أسباب مرضه، والتي كان لا يجرؤ على ذكرها من قبل، حيث كان يعاقب عليها.
كما يمكن الاستفادة من عمليتي التعميم والتمييز، حيث يكتسب الفرد معرفة المفاهيم؛ نتيجة لعملية التعميم والتجريد، كما أنه يمكن أن يقوم بعملية التمييز، وإدراك أوجه الاختلاف بين المثيرات والمدركات المختلفة، وأخيرًا قد استخدم مفهوم الارتباط الشرطي في علاج بعض حالات التبول اللإرادي، حيث يتصل ملف كهربائي موضوع في مكان نوم الطفل، حالات التبول اللإرادي بنوصل ملف كهربائي موضوع في مكان نوم الطفل، وهذا الملف متصل بجرس، ولا تتصل الدائرة، ويبدأ الجرس في الرنين، إلا عندما يتبول الطفل، حيث يؤدي هذا إلى استيقاظ الطفل؛ ليستكمل عملية التبول في دورة المياه.
وبعد تكرار العمل عدد من المرات، يصبح اقتران صوت الجرس كمثير غير شرطي، بامتلاء المثانة كمثير شرطي، وهنا يتعلم الطفل أن يستيقظ بمجرد الإحساس بامتلاء المثانة.
ولكن هذه النظرية رغم ما قدمته من تطبيقات تربوية، فقد وجهت إليها نقد أن بافلوف كان متأثرًا بعلم الفسيولوجي، وذلك نظرًا لتخصصه، ودراسته القديمة، التي سبقت دراساته، وأبحاثه في مجال علم النفس، حيث أرجع ظاهرة الفعل المنعكس الشرطي إلى أسس فسيولوجية بحتة، واعتبر أن كلًّا من النصفين الكرويين للمخ هما المسئولان عن تنمية تلك الأفعال الشرطية، كذلك اهتم بدراسة الأفعال المنعكسة الشرطية البسيطة، دون المساس بالأفعال، أو السلوكيات المعقدة.
إلا أن هذا لا يمنع من ذكر فضله في أنه أول من قام بوضع اللبنة الأولى في صرح العلم لنظرية المثير والاستجابة، والتي كان لها السبق في تنمية المعلومات في دراسة العلوم الإنسانية بوجه عام، وعلم النفس التربوي بوجه خاص؛ لأنه بهذا ألهب الكثير من العلماء والباحثين في مجال دراسة السلوك والتعلم، وحذو حذوه في إجراء العديد من الأبحاث، والدراسات التربوية.
التعلم الشرطي الإجرائي للعالم إسكنر
وهكذا عرضنا لتفسير ثان للتعلم، عند معرفة نظرية الاشتراط البسيط لبافلوف، ننتقل حاليًا إلى تفسير آخر في الاتجاه السلوكي، وهو:
نظرية التعلم الشرطي الإجرائي للعالم إسكنر:
ويمثل إسكنر قطب من أقطاب المدرسة السلوكية الوصفية، وهي إحدى مدارس علم النفس، والتي بدأت في نشر مبادئها، منذ أواخر القرن التاسع عشر، توصف نظرية إسنكر في التعلم الشرطي الإجرائي بالموضوعية، والبعد عن الذاتية؛ لأن إسنكر في تجاربه يصف السلوك كما يحدث، وتقوم على عزل العلاقات الدالة بين المتغيرات التابعة والمتغيرات السابقة.
ويعتبر كتاب إسكنر سلوك الكائنات الحية، الذي نشر سنة 1938م أول مرجع شامل، يضم الكثير من التجارب التي قام بها إسكنر، ويشرح فيها المنهج الذي تبناه، كما أن كتابه (العلم والسلوك الإنساني)، الذي نشر سنة 1953 يقدم شرح لنظرية إسكنر في التعلم.
أولًا: مفهوم النظرية الاشتراط الإجرائي، يعتبر إسكنر عالم النفس الأمريكي، صاحب نظرية التعلم الشرطي الإجرائي، كأحد أساليب التعلم الشرطي، وقد ميز علماء النفس بين نمطين من المواقف العلمية، التي يتم فيها دراسة عمليات التعلم، أحدهما: يسمى الاشتراط الاستجابي، والثاني: الاشتراط الإجرائي، اهتم بافلوف بالنمط الأول في نظريته عن الاشتراط الكلاسيكي، والفعل المنعكس الشرطي، والذي ينتمي إلى الاشتراط الاستجابي، بينما اهتم إسكنر في نظريته بالنمط الثاني أي: الاشتراط الإجرائي، وقد ركّز إسكنر على هذا النمط نظرًا لقصور النمط الأول في تفسير التعلم.
والذي يعتمد على شرح كمية محدودة من سلوك الإنسان، وأن الاستجابات التي تصدر عن الكائن الحي، غالبًا لا تحدث نتيجة مثيرات محددة واضحة، ولكنها قد تحدث تلقائيًّا مثل: رفع اليد أو الابتسام، ليست هناك مثيرات واضحة أمامها، وفي هذا قد غيّر إسكنر مبدأ التعلم بالمثير أولًا، ثم الاستجابة بأنه قد يحدث الاستجابة أولًا، لابد أن تحدث الإجابة أولًا، ثم يأتي التدعيم بالمثيرات.
أي: أن حول قانون الاشتراط أو الرابطة من م س إلى س م؛ أي: لابد أن تكون هناك استجابة إجرائية أولًا يقوم بها الكائن الحي، ثم ندعمها بالتعزيزات؛ ولذا سُميت نظرية إسكنر بنظرية التعزيز، وقد وَجّه إسكنر اهتمامه إلى السلوك الإجرائي، أو الاستجابات التلقائية نظرًا لأهميتها، التي تتمثل في أن الاشتراط الإجرائي، قد أكّد على وجود طريقة محددة في معالجة إجراءات التعزيز، ففي التجارب التي أجراها إسكنر، يتحتم على الحيوان أن يصدر أولًا استجابة صحيحة، ثم يظهر المثير المعزز أو الطعام.
هذا بعكس ما يحدث في الاشتراط الكلاسيكي، الذي طرحه بافلوف سابقًا، فإنه يترك الحيوان يستكشف بحرية، وأثناء نشاطه هذا يصدر استجابة، تؤدي إلى مكافأة أو معزز؛ ولذا نطرح سؤالًا هامًّا:
ما الفرق الجوهري بين الاشتراط الاستجابي الكلاسيكي، الذي قدمه بافلوف، والاشتراط الإجرائي الذي قدمه إسنكر في تفسيره لعملية التعلم؟
الإجابة على هذا السؤال: هو أن الموقف في التجارب، التي أجراها بافلوف في الاشتراط الكلاسيكي، لا يتطلب أن يكون التعزيز متوقفًا على أداء الاستجابة الشرطية، بينما في الإجرائي، تجد أن الاستجابة هي التي تحدد التعزيز.
2- أن الاستجابات عند بافلوف، تأتي عن طريق المثيرات، ويُرمز لنموذجه بـ م س -كما سبق أن قلت-، أما الاستجابات عند إسكنر في الاشتراط الإجرائي، تصدر تلقائيًّا من الكائن الحي دون مثيرات، ويرمز لنموذجه بـ س م.
3- في التعلم الشرطي الكلاسيكي، يقف المتعلم موقفًا سالبًا؛ لأنه ينتظر حتى يظهر المثير الشرطي؛ ليستجيب له، ثم المثير الطبيعي فيستجيب له أيضًا؛ أي: لأنه لا يؤدي أي تفاعل أو إجراء مستقل في الموقف التعليمي، أما في التعلم الشرطي الإجرائي، فيقف المتعلم موقفًا إيجابيًّا، حيث يتفاعل مع الموقف، حيث لا يتم التعزيز إلا إذا أدى وأعطى المتعلم استجابة معينة وملائمة، يتم بعدها التعزيز.
فروق جوهرية بين تفسير التعلم عند بافلوف كاشتراط كلاسيكي، وتفسير التعلم عند إسنكر، كتعلم اشتراطي إجرائي؛ المتعلم في كلا الموقفين مختلف، حيث إن المتعلم عند بافلوف سالبًا لا يتفاعل مع الموقف، بل ينتظر أن يأتيه العلم من حيث أتى، أو المثير الطبيعي، عند إسكنر، فإنه لا يعطي المعزز إلا إذا تفاعل الكائن الحي مع الموقف، وهنا المتعلم إيجابيًّا.
كذلك غيّر إسكنر النموذج في الاشتراط من م س مثير استجابة إلى س م الاستجابة أولًا، ثم المثير ثانيًا، وهذه هي الفروق الجوهرية بين التفسيرين، من حيث المفهوم للنظريتين اشتراط كلاسيكي، واشتراط إجرائي.
ونستكمل في الدرس القادم الوقائع التجريبية والتطبيقات في نظرية إسنكر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
.............يتبع إن شاء الله..............
منقول للفائد
(نظرية بافلوف - نظرية إسكنر)
1 مفهوم النظرية.
2 قوانين التعلم عند بافلوف.
3 التطبيقات التربوية لهذه النظرية.
4 نظرية التعلم الشرطي الإجرائي للعالم إسكنر.
مفهوم النظرية
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
النظرية الثانية من نظريات الاتجاه السلوكي لتفسير عملية التعلم وهي نظرية بافلوف أو نظرية الاشتراط أو الارتباط الشرطي الكلاسيكي
بدأت أبحاث العالم الروسي إيفان بافلوف، بدراسة فسيولوجية الجهاز العصبي عند الكلاب، وقد نال بهذا شهرة واسعة في هذا المجال، رشحته لنيل جائزة نوبل، وعلى الرغم من ذياع سيطه في المحافل العلمية، تجاه المجال الفسيولوجي، إلا أن أعظم اكتشافاته كانت في مجال دراسة سلوك الفعل المنعكس الشرطي، حيث كانت أمريكا في تلك الآونة، وخاصة في أوائل القرن العشرين غارقة في استخدام علم النفس الاستبطاني، والاقتصار على دراسة الشعور.
وقد تبين لبافلوف خلال إجراء العديد من التجارب على الكلاب، أن المثير الذي يصاحب تقديم الطعام إلى الكلب، كرؤية الآنية التي يوضع فيها الطعام للكلب، أو الصوت الصادر من وضع تلك الآنية على المنضدة، أو حتى صوت وقع أقدام حامل الطعام للكلب، كل هذا يحدث إسالة للعاب الكلب، وبهذا خطر لبافلوف المقولة التالية، أو النظرية أو المفهوم:
إذا كان الطعام داخل فم الكلب يعتبر مثيرًا طبيعيًّا، فمما لا شك فيه أنه يثير بفعل منعكس، إلا أنه من الصعوبة أن نجد أنه بمجرد وقع بصر الكلب على آنية الطعام، أو مجرد سماعه وقع أقدام حامل الطعام، يعتبر مثيرًا طبيعيًّا لهذه الاستجابة، ألا وهي إسالة لعاب الكلب.
ومن ثم نجد أن هذه الظاهرة قد أثارت بافلوف، وبهذا حاول أن يدرس مدى استجابة الكلب لمثير صناعي، كصوت الجرس خلال مصاحبته للمثير الأصلي، وهو تقديم الطعام؛ أي: أن المثيرات الفعل المنعكس الشرطي، التي ركّز عليها بافلوف، تشكِّل جزءًا من سلوك الإنسان، ومعنى أفعال منعكسة شرطية لا دخل لنا فيها، أو لا إرادية تتم، فإسالة اللعاب لا دخل لنا فيها، تتم بدون إرادة، إذا وضع الطعام في الفم، والتي لا يكون المثير فيها محددًا بهذا الشكل، من حيث علاقته بالاستجابة، كذلك لا تكون العلاقة فيها بين المثير والاستجابة، عندما تظهر لأول مرة محددة واضحة.
فغالبًا ما لا يعد سلوك الإنسان من نوع الأفعال المنعكسة، وبالتالي فإن سلوك الإنسان ليس من النوع، الذي يسهل التنبؤ به، فنعطي مثالًا بسيطًا من مواقف حياتنا اليومية، نلاحظ أن سائق عربة الحنطور، عندما يضرب بسوطه في الهواء، فإن الحصان يجري، كما نتذكر جميعًا أن كلًّا منا، قد مر بخبرات مؤلمة، تتعلق ببعض المأكولات أو المشروبات، وهنا يُثار الاستفسار في كيفية حدوث تعلّم الحصان الجري، بمجرد سماعه فرقعة صوت السوط يعني: الكرباج.
وكيف حدث أن كره الطفل بعض المشروبات، أو المأكولات بعد أن كان يحبها! فإذا ما حللنا هذه المواقف، نجد أنه في حالة الحصان أن السائق عندما يفرقع السوط عدة مرات قبل ضرب الحصان، يعد هذا قيام بضربه، مما أدى إلى تعلم الحصان أن يجري من مجرد فرقعة السوط، قبل أن يُضرب، وفكرة أن الضرب هنا مثير طبيعي، أو الأكل مثير طبيعي، فإن فرقعة السوط في الهواء هو مثير غير طبيعي أو مثير شرطي.
ولذلك فكرة الارتباط ما بين المثير الشرطي والمثير الطبيعي لاستدعاء الاستجابة الطبيعية، هي فكرة نظريات، أو تفسير نظرية بافلوف لعملية التعلم؛ أي: أننا نربط في تعلمنا أشياء كثيرة، غير السطور التي توجد في الكتاب في المكان، مثير غير طبيعي، مثير شرطي، أو الأشخاص الذين تم المذاكرة معهم مثير غير شرطي، أما منبع المثير الطبيعي فهي المعلومات التي توجد في الكتاب.
إذن الرابطة أو تقوية الرابطة ما بين المثير الطبيعي، الذي يحدث الاستجابة الطبيعية، كفعل منعكس غير المثير الغير طبيعي، الذي سماه شرطي هو الذي يحدث الاستجابة الشرطية، التي هي الاستجابة الطبيعية.
الوقائع التجريبية التي لجأ إليها بافلوف؛ لإثبات العلاقة بين، أو تقوية الرابطة بين المثير الطبيعي، والمثير الشرطي؛ لاستدعاء الاستجابة الطبيعية، المثير الطبيعي هو الطعام، الذي قدمه بافلوف في تجاربه، والمثير الشرطي هو الجرس أو الضوء، الذي قدمه بافلوف في تجاربه، والاستجابة هي إسالة اللعاب، سواء كان الاستجابة آتية من الطعام كمثير طبيعي، أو من الجرس كمثير شرطي.
عملية الربط بين المثيرين لإعطاء الاستجابة؛ أو لتقوية الاستجابة: هي جوهر فكرة الاشتراط البسيط، تجربته الشهيرة هي: جهز بافلوف حجرة المعمل، التي يجري فيها تجاربه على الكلاب، بالعديد من الأجهزة التي يمكن بواسطتها جمع لعاب الكلب مباشرة، من غدده اللعابية، دورق بأنبوبة وصلها في لعاب الكلب، بحيث إن اللعاب كله ينزل في هذه الأنبوبة، هذه الأنبوبة لديها مقاسات سنتيمترات باللعاب مثلًا، وتم تسجيل كمية اللعاب المسال، كما بطن جدارها، بحيث لا تنفذ الأصوات والمثيرات حجرة المعمل الخارجية إلى داخل حجرة المعمل، ثم وضع كلب التجارب على المنضدة، وربطه بحيث لا يستطيع الحركة، ثم أخذ يكرر هذه العملية في بادئ الأمر عدة مرات، وهي إحضار الكلب إلى نفس الحجرة، ثم ربطه فوق المنضدة، وهكذا حتى يتعود الكلب على جو المعمل، ومن ثم لا يحدث أي معوقات أثناء إجراء التجربة.
وعند بداية التجربة أحضر بافلوف الكلب، الذي دربه من قبل على الوقوف على المنضدة مربوطًا جائعًا؛ لكي يستجيب للمثيرات أي: أن دافع الجوع في التعلم أو الدافعية في التعلم موجودة؛ لكي يستجيب للمثيرات التي يتعرض لها خلال التجربة، وربطه بالمنضدة كما تعود من قبل، ثم بعد مدة أسمعه بافلوف صوت الجرس، وفي بادئ الأمر استجاب الكلب لهذا المثير الجديد، وعليه القيام ببعض الحركات الاستطلاعية، ولكن لم تصدر عن الكلب أي استجابة؛ لإسالة اللعاب.
وبعد عدة ثواني من سماع الكلب لصوت ذلك الجرس، قدم بافلوف الطعام المحبب للكلب الجائع وهو اللحم فأكله، سجل كمية اللعاب المسال عن الطريق الجهاز الخاص بذلك، ثم قام بافلوف بتكرار هذا الموقف على نفس الكلب عدة مرات، إذ كان كلما سمع الكلب صوت الجرس، كان يقدم له الطعام، وتحدث خلال ذلك استجابة إسالة اللعاب، وتلي ذلك أن قام بافلوف بتقديم مثير صوت الجرس فقط بدون الطعام، دون أن يقدم للكلب أي طعام، فتبين أن لعاب الكلب يسيل على الرغم من ذلك.
واستنتج بافلوف من هذا الموقف الأخير، أنه إذا قمنا بإشراط استجابة معينة، بمثير مصاحب لمثيرها الأصلي، بعد تكرار هذه العملية العديد من المرات، ثم أبعدنا المثير الأصلي، وقدمنا المثير المصاحب فقط، فإن الاستجابة الشرطية تحدث، وبمعنى آخر: فإن الاستجابة الشرطية التي تحدث للمثير الجديد، هي نفس الاستجابة، التي كانت تحدث للمثير الأصلي، ومن ثم فإن الاستجابة ثابتة لا تتغير، وإنما تحدث للمثير الأصلي، ومن ثم فالاستجابة ثابتة لا تتغير، وإنما تحدث لمثير آخر غير مثيرها الأصلي.
الصوت مثير آخر، الصوت فقط لا يعطي إسالة اللعاب، الصوت مرتبط بالطعام كمثير طبيعي، يؤدي إلى الارتباط بين المثير الأصلي والمثير الشرطي؛ ولكي يتضح هذا أكثر نقول: إن إعطاء الطعام يمثل المثير الأصلي أي: المثير غير الشرطي المثير الطبيعي، وإسالة اللعاب عند إعطاء الطعام هي الاستجابة الأصلية، أي الاستجابة غير الشرطية، أو الاستجابة المنعكسة، وصوت الجرس هو المثير الشرطي، وإسالة اللعاب عند سماع صوت الجرس في المرات الأخيرة من التجربة هي الاستجابة الشرطية؛ أي: الاستجابة المتعلّمة.
وقد أرجع بافلوف عملية التعلم هذه التي حدثت داخل المعمل إلى نوع من الارتباط، بين المثير والاستجابة، إلا أن الارتباط ها هنا لم يتم بين المثير الأصلي والاستجابة الطبيعية الخاصة به، ومن ثمّ أطلق على تلك الاستجابة التي لم تحدث لمثيرها الأصلي بالاستجابة الشرطية، وقد استخدم بافلوف في تجاربه على الكلاب العديد من المثيرات الشرطية المتباينة، كالمثيرات السمعية: سماع الكلب لصوت الجرس، والمثيرات البصرية: رؤية الكلب لضوء معين، والمثيرات اللمسية: كلمس شعره.
ثم كان يقيس مدى قوة الاستجابة الشرطية، عن طريق كمية اللعاب المسال في كل محاولة، يتعرض لها الكلب لأحد تلك المثيرات، التي ذُكرت آنفًا.
إذن هذا الموقف من الارتباط يتكون من متغيرات السلوك الشرطي، ما هي؟
تتضمن متغيرات السلوك الشرطي:
1- المثير غير الشرطي، وهو أي مثير قوي أو فعال، يعمل على خروج استجابة غير متعلمة بشكل منتظم نسبيًّا إلى حيز الوجود، ويمكن قياسها، وفي تجارب بافلوف كان هذا المثير غير الشرطي هو اللحم.
الاستجابة غير الشرطية: وهي الاستجابة غير المتعلمة المنتظمة نسبيًّا، ويمكن قياسها، والتي نتجت عن مثير غير شرطي، وهي في تجارب بافلوف اللعاب المسال من الغدد اللعابية عند الكلب.
هذا هو المثير غير الشرطي، الذي يؤدي إلى الاستجابة غير الشرطية أي: أن الطعام يؤدي إلى الاستجابة، وهي إسالة اللعاب.
3- من المتغيرات في السلوك الشرطي: هو المثير الذي يسبق المثير غير الشرطي، وفي أغلب تجارب بافلوف كان هذا المثير الشرطي هو صوت الصفارة، أو الجرس، الذي كان يطلقه قبل تقديم الطعام إلى الكلب.
الاستجابة الشرطية: وهي الاستجابة المتعلمة، التي تشبه الاستجابة الطبيعية، أو غير الشرطية، وكانت في تجارب بافلوف إفرازات الغدد اللعابية للكلب، تجاه المثيرات الصوتية، التي كانت تصدر عن طريق الجرس.
إذن هناك أربع متغيرات تمت في تجارب بافلوف، وهي المثير غير الشرطي الطعام، الاستجابة غير الشرطية هي إسالة اللعاب، المثير الشرطي هو الجرس قبل تقدم الطعام، ثم الاستجابة الشرطية، وهي إسالة اللعاب أو إفرازات الغدد اللعابية.
كيف تمت هذه الرابطة بين المثير غير الشرطي والمثير الشرطي؛ لاستدعاء الاستجابة الشرطية؟
قدم لنا بافلوف طرق الاشتراط الكلاسيكي، طرق تجريبية أجراها في معمله.
أجرى بافلوف العديد من التجارب على الطرق المختلفة، التي يمكن أن توجد لنا العلاقة بين تقديم كل من المثير الشرطي، والمثير الغير الشرطي، أو المثير الطبيعي؛ بغية التوصل إلى أفضل الطرق، التي يتم بمقتضاها الإشراط أو الارتباط الجيد، وتبين له أنه من أفضل هذه الطرق هو أن يسبق المثير الشرطي المثير الطبيعي بفترة زمنية قليلة؛ لكي يمكن إتمام الارتباط الشرطي، وفي السطور التالية، سنحاول إلقاء المزيد من الضوء على هذه الطرق:
الطريقة الأولى: الاشتراط المتزامن، ويتم فيها تقديم المثير الشرطي في نفس الوقت، الذي يُقدم فيه المثير غير الشرطي، هو المثير الطبيعي أي: يقدم الجرس مع الطعام وفي هذا الموقف يحدث تداخل بين كلا المثيرين؛ لأنه لا يتاح للكلب الوقت؛ للتعرف على المثير الشرطي في وجود المثير الطبيعي؛ أي: لأن الاستجابة التي أتت في إسالة اللعاب، جاءت من الطعام، وليس من الجرس.
الطريقة الثانية: هي الإشراط البعدي، هنا يتم تقديم المثير الشرطي للكلب، بعد تقديم المثير غير الشرطي الطبيعي، أي: تقديم الطعام أولًا ثم تقديم الجرس ثانيًا، ومن ثم فإن التعلم خلال هذا الموقف يكون ضعيفًا، نتيجة لوجود تداخل بين كلا المثيرين، وبهذا يعتبر أيضًا هذا النوع من الإشراط غير مجدي.
الطريقة الثالثة: الإشراط القبلي، وهو نوعان، في الإشراط القبلي نقدم الجرس أولًا، ثم الطعام ثانيًا، قسَّمه بافلوف إلى نوعين هما: الإشراط المتتابع، وهو الذي يقدم فيه المثير الشرطي قبل تقديم المثير غير الشرطي، أي: نقدم الجرس قبل الطعام، ولكن يوجد فترة زمنية بين تقديم كل منهما، ومن ثم لا يحدث أي تداخل بين كلا المثيرين، وبهذا يعتبر هذا النوع من الإشراط غير مجدي.
النوع الثاني: الإشراط المرجأ، والذي يقدم فيه المثير الشرطي قبل تقديم المثير غير الشرطي، أي: تقديم المثير الجرس قبل تقديم الطعام بوقت قصير، والذي يظل حتى تقديم المثير غير الشرطي، وبهذا يتضح لنا وجود تداخل بين كلا المثيرين، ويعتبر هذا النوع من الإشراط من أفضل الأساليب، التي استخدمها بافلوف، والتي أعطت أفضل النتائج عن الإشراط الكلاسيكي.
ثلاث طرق للإشراط: إشراط متزامن، إشراط بعدي، إشراط قبلي، وأفضلها الإشراط القبلي، وخاصة المؤجل أو المرجأ منها.
تبين لبافلوف أن الدافعية شرط أساسي لعملية الإشراط الكلاسيكي، حيث تعتمد الاستجابة الشرطية في مدى سرعتها، أو بطئها على درجة جوع الكلب، كما تبين له من نتائج التجارب، التي أجراها أن الكلب الجائع يكون مستعدًّا تمام الاستعداد لعملية الإشراط؛ لأن لديه دافع الجوع، بينما في حالة شبعه يندر أن نحصل على الاستجاب.
قوانين التعلم عند بافلوف
أما بالنسبة لقوانين التعلم، التي خرجت بها النظرية، فتوجد عدة قوانين مختلفة ساقها بافلوف من نتائج تجاربه العديدة على الكلاب، وكذلك على الأرانب وغيرها، والتي استخدمت فيما بعد كقوانين لتغير السلوك أو التعلم، وهي على النحو التالي:
1- قانون الانطفاء:
وهو عدم ظهور الاستجابة المتعلمة، أو الاستجابة الشرطية؛ نتيجة لعدم تعزيزها بالمثير الطبيعي، فوجد بافلوف على الرغم من تعرض الكلب للمثير الشرطي، وبمعنى آخر: عدم قدرة المثير الشرطي على استدعاء الاستجابة، حيث يحدث هذا بعد فترة من تكرار المثير الشرطي بدون تعزيز، كذلك يحدث الانطفاء بسرعة للاشتراطات غير القوية، بينما يتأخر بعض الشيء في حالة الاشتراطات القوية، التي تمت بتعزيز مكثف.
وقد لاحظ بافلوف أنه بعد تكوين الاستجابة الشرطية لدى الكلب، أن قام بتقديم المثير الشرطي باستمرار عدة مرات متتالية بدون تعزيز الطعام، فوجد أن الاستجابة بدأت تتلاشى بالتدريج؛ حتى اختفت نهائيًّا، بمعنى: أنه بعد وصول بافلوف؛ لأن الجرس أو المثير الشرطي يُعطي إفرازات اللعاب، وهي الاستجابة الشرطية، بعد تكرار الرابطة بين المثير الشرطي مع المثير غير الشرطي أو الطبيعي، بدأ يسحب من التجربة الطعام، ويقدم الجرس فقط، فعندما قدم الجرس مرة بدون الطعام، كانت إفرازات اللعاب موجودة.
لأن ما زالت شدة التعلم موجودة، كررها مرة أخرى؛ جرس بدون طعام بدأت تقل كمية إسالة اللعاب، أو إفرازات اللعاب؛ لأن الكلب أحس أن الجرس ليس وراءه تدعيم بالمثير الطبيعي، وكررها ثالثة ورابعة وخامسة، فبدأت تنطفئ أو تزول أو تمحو من سلوك الكلب، كلما سمع الجرس لا تسال اللعاب في النهاية بعد تكرارها عدة مرات، وهذا ما يسمى بقانون انطفاء الاستجابة المتعلمة؛ لأن لابد أن تكون هناك تدعيم لهذه الاستجابة؛ حتى تبقى في سلوك الكائن الحي.
القانون الثاني: قانون الاستراجاع التلقائي:
وانطفاء استجابة الكلب السابقة كما ذكرنا آنفًا، لا يكون بشكل نهائي، فقد تبين لبافلوف أنه إذا قدم المثير الشرطي للكلب، بعد انطفاء الاستجابة بفترة زمنية كافية؛ كي يستريح فيها- فإن الاستجابة في هذه الحالة تعود للظهور مرة جديدة، إلا أن هذه العودة لا تستمر طويلًا ما لم يحدث تعزيز جديد، حيث يكون الانطفاء في هذه الحالة سريعًا، كذلك فإن احتمال ظهور الاسترجاع التلقائي، يقل في حالة التعزيزات غير القوية.
أي: أن بعد انطفاء الاستجابة لدى الكلب، وهي إفرازات اللعاب بوجود الجرس، بدأ يقدم أو يربط الجرس ثم الطعام، فهنا تعود الاستجابة تلقائيًّا، ويستمر بتعزيز الجرس مع الطعام؛ أي: أن الاستجابة المتعلمة لا تمحو من سلوك الكائن الحي، وإذا كانت قوية فإنها تستمر لفترات طويلة.
القانون الثالث: هو قانون التعميم:
عندما يتم إشراط الاستجابة إلى مثير معين، كما تم إشراط الطعام بالصوت، فإن المثيرات الأخرى المتشابهة للمثير الأصلي، يصبح لديها القدرة على استدعاء نفس الاستجابة، وفي تجارب الكلب نجد أن تعلم استجابة إسالة اللعاب، عند سماعه أي مثير كصوت الجرس، أو الشوكة الرنانة، يصبح الكلب قادرًا على استدعاء تلك الاستجابة، عندما يتعرض لأي مثيرات أخرى متشابهة.
كمثال الطفل الذي عضه الكلب، لديه استجابة الخوف من الكلاب، والبعد عنها، نجد أن هذه الاستجابة تظهر عند مشاهدة أي حيوان آخر يشبه الكلب.
ومجمل القول: كلما كانت هذه المثيرات متشابهة للمثير الأصلي، كلما زاد احتمال حدوث الاستجابة أي: أن الكلب هنا لا يفرق بين مصدر الصوت من جرس، أو من شوكة رنانة ، أو من أي مصدر آخر؛ لأنها مثيرات متشابهة، وهنا يعمم الفرد أو الكلب في التعلم بين المثيرات، أو المواقف المتشابهة.
القانون الرابع: قانون التمييز:
يعتبر التمييز عملية مكمّلة لظاهرة التعميم، حيث يعتبر التعميم استجابة للمثيرات المتشابهة، وإن اختلفت في الدرجة في شدتها، بمعنى أن الكائن الحي يستجيب إلى المثيرات، التي تشبه المثير الأصلي، أما التمييز فيعتبر استجابة إلى المختلفات، بمعنى أن الكائن الحي بمقدوره أن يميز في تلك العملية المثيرات المختلفة الموجودة في الموقف، ومن ثم لا تحدث الاستجابة إلا للمثير المعزز، أما الاستجابات الأخرى فيحدث لها انطفاء.
بمعنى آخر: إذا كان هناك مثيران يحدثان معًا، وكان التعزيز يتم لأحدهما دون الآخر، فإن الكائن الحي يتعلم الاستجابة للمثير المعزز فقط دون الآخر، أي: أننا لو قدمنا في تجارب بافلوف الضوء مثلًا، والكلب متعلّم لمثير الصوت، فإنه لا يستجيب للضوء؛ لأن الضوء مثير مختلف عن الجرس.
القانون الخامس: وهو قانون التدعيم:
تبين لبافلوف من نتائج تجاربه العديدة على الكلاب: أن الاستجابة الشرطية لا تتكون إلا إذا اقترن المثير الطبيعي بالمثير الشرطي، أي: اقترن الطعام بالجرس، وبشرط أن يكون هذا التتابع مباشرة، وذلك لعدة مرات متوالية، كذلك فإنه متى تكوّنت تلك الاستجابة، فإنها لا تثبت إلا إذا دُعِّمت من وقت لآخر، وبصورة منتظمة، حيث يسمى تقوية الرابطة بين المثير الشرطي، والاستجابة الشرطية، هذا يسمى بالتدعيم.
ونجد في تجارب بافلوف أن التدعيم نشأ من جراء إشباع دافع الجوع لدى الكلب، الذي أدى إلى خفض حالة التوتر لديه.
2- القانون السادس: قانون شدة المثير:
ويطلق البعض عليه قانون المرة الواحدة، ويرجع هذا إلى أن الارتباط، الذي يتم بين المثير الشرطي والاستجابة الشرطية أحيانًا، يحدث من اقتران كل من المثير الشرطي بالمثير الطبيعي، بدون تكرار مرة واحدة فقط، بدلًا من تكرار هذا اللقاء عدة مرات، وغالبًا ما يتم ذلك في حالة ما يكون المثير شديدًا جدًّا، وواضحًا في الكم والكيف لدى الكائن الحي.
ونلخِّص في تجارب بافلوف أن المثير الغير شرطي، أو الطبيعي هو الطعام، الاستجابة غير الشرطية هي إسالة اللعاب، المثير الشرطي هو الجرس، والاستجابة الشرطية هي إسالة اللعاب كذلك، فإذن عملية الربط وتقوية الرابطة بين المثير الطبيعي أو المثير غير الشرطي، والمثير الشرطي أو المثير الصناعي، الذي قدمناه الغير طبيعي لاستدعاء الاستجابة الطبيعية، وهي إسالة اللعاب.
هذه هي قوانين بافلوف: قانون الانطفاء، قانون الاسترجاع التلقائي، قانون التعميم المتشابهات، قانون التمييز للاختلافات، قانون التدعيم في الموقف التعليمي، قانون شدة المثير، التي قد يتعلم منها لأول مرة.
التطبيقات التربوية لهذه النظرية
يبقى أمامنا التطبيقات التربوية لهذه النظرية، أو التساؤل الهام، ماذا نستفيد من قوانين، ومن تفسير بافلوف لعملية التعلم في نظرية الاشتراط الكلاسيكي؟
بسؤال آخر: كيف نستفيد من مبدأ الاقتران الشرطي في العملية التربوية؟
إن هذا المبدأ يكشف عن أن المعلم، أو الرئيس، أو المدير، الذي يعاقب أو يثير الألم عند تلاميذه أو مرءوسيه، أو العاملين تحت إمرته، يصبح عندهم مثير للخوف، خوف من المعلم يقترن بهم من درس ومن دروس وحصص وأعمال مقترنة بكراهية هذا المعلم أو هذا المدير؛ فلذلك يجب العمل على إقران العمليات التعليمية جميعها بحالة ارتياح بدون خوف.
أي: أن تصحب العمليات التعليمية حالات من السرور؛ حتى تتم عمليات التعلم والنمو للفرد، وعمومًا يلعب الارتباط الشرطي، الذي اقترحه بافلوف دورًا هامًّا في عملية التطبيع الاجتماعي، فالطفل يتعلم الإماءات من والده نتيجة ارتباطها شرطيًّا بمثيرات أخرى، أيضًا عند عقاب الأب ابنه توجد مظاهر تسبق العقاب الفعلي، وبذلك تكتسب هذه المظاهر القدرة على إحداث الاستجابة، التي يثيرها العقاب، وبالتالي يتوقف الطفل عن أداء النشاط، الذي لا يرضى الأب بدون العقاب ذاته.
كما يمكن الاستفادة بهذه النظرية، والاقتران الشرطي في تعلم كثير من أنواع السلوك، وخاصة السلوك اللغوي، وتعلم اللغات، والنطق الصحيح للكلمات، وتعلم أسماء بعض الأفراد بارتباطهم ببعض الأماكن، أو الربط بين الصور والكلمات، كما كانت في الطريقة الكلية، التي سُميت زمان في مدارستنا بطريقة شرشر، حيث ترتبط الصور والأشكال برسم الحروف، التي تمثل كلمات، وذلك حتى تكتسب الكلمة، كمثير شرطي خصائص الصورة، التي ارتبطت بها كمثير غير شرطي.
كما يفيد التعلم الشرطي الكلاسيكي في ميدان التعلم الانفعالي، الذي يتمثل في تكوين الاتجاهات والعواطف والقيم، وذلك بارتباط الحالات الانفعالية من خوف، وحب، وكراهية، وقلق، وميل نحو، أو ميل عن مع بعض المثيرات الأخرى، ويتضح أهمية التعلم الانفعالي إذا عرفنا أن كثيرًا من حالات التسرب والهروب من المدرسة، تتسم باتجاهات سالبة نحو المدرسة، كما يفيد التعلم الشرطي في العلاج النفسي، حيث يقوم المريض النفسي بتفريغ شحنته الانفعالية، وما كان سببًا في مرضه في وجود معالج لا يعاقب أي: يقوم المريض بتذكر، وذكر أسباب مرضه، والتي كان لا يجرؤ على ذكرها من قبل، حيث كان يعاقب عليها.
كما يمكن الاستفادة من عمليتي التعميم والتمييز، حيث يكتسب الفرد معرفة المفاهيم؛ نتيجة لعملية التعميم والتجريد، كما أنه يمكن أن يقوم بعملية التمييز، وإدراك أوجه الاختلاف بين المثيرات والمدركات المختلفة، وأخيرًا قد استخدم مفهوم الارتباط الشرطي في علاج بعض حالات التبول اللإرادي، حيث يتصل ملف كهربائي موضوع في مكان نوم الطفل، حالات التبول اللإرادي بنوصل ملف كهربائي موضوع في مكان نوم الطفل، وهذا الملف متصل بجرس، ولا تتصل الدائرة، ويبدأ الجرس في الرنين، إلا عندما يتبول الطفل، حيث يؤدي هذا إلى استيقاظ الطفل؛ ليستكمل عملية التبول في دورة المياه.
وبعد تكرار العمل عدد من المرات، يصبح اقتران صوت الجرس كمثير غير شرطي، بامتلاء المثانة كمثير شرطي، وهنا يتعلم الطفل أن يستيقظ بمجرد الإحساس بامتلاء المثانة.
ولكن هذه النظرية رغم ما قدمته من تطبيقات تربوية، فقد وجهت إليها نقد أن بافلوف كان متأثرًا بعلم الفسيولوجي، وذلك نظرًا لتخصصه، ودراسته القديمة، التي سبقت دراساته، وأبحاثه في مجال علم النفس، حيث أرجع ظاهرة الفعل المنعكس الشرطي إلى أسس فسيولوجية بحتة، واعتبر أن كلًّا من النصفين الكرويين للمخ هما المسئولان عن تنمية تلك الأفعال الشرطية، كذلك اهتم بدراسة الأفعال المنعكسة الشرطية البسيطة، دون المساس بالأفعال، أو السلوكيات المعقدة.
إلا أن هذا لا يمنع من ذكر فضله في أنه أول من قام بوضع اللبنة الأولى في صرح العلم لنظرية المثير والاستجابة، والتي كان لها السبق في تنمية المعلومات في دراسة العلوم الإنسانية بوجه عام، وعلم النفس التربوي بوجه خاص؛ لأنه بهذا ألهب الكثير من العلماء والباحثين في مجال دراسة السلوك والتعلم، وحذو حذوه في إجراء العديد من الأبحاث، والدراسات التربوية.
التعلم الشرطي الإجرائي للعالم إسكنر
وهكذا عرضنا لتفسير ثان للتعلم، عند معرفة نظرية الاشتراط البسيط لبافلوف، ننتقل حاليًا إلى تفسير آخر في الاتجاه السلوكي، وهو:
نظرية التعلم الشرطي الإجرائي للعالم إسكنر:
ويمثل إسكنر قطب من أقطاب المدرسة السلوكية الوصفية، وهي إحدى مدارس علم النفس، والتي بدأت في نشر مبادئها، منذ أواخر القرن التاسع عشر، توصف نظرية إسنكر في التعلم الشرطي الإجرائي بالموضوعية، والبعد عن الذاتية؛ لأن إسنكر في تجاربه يصف السلوك كما يحدث، وتقوم على عزل العلاقات الدالة بين المتغيرات التابعة والمتغيرات السابقة.
ويعتبر كتاب إسكنر سلوك الكائنات الحية، الذي نشر سنة 1938م أول مرجع شامل، يضم الكثير من التجارب التي قام بها إسكنر، ويشرح فيها المنهج الذي تبناه، كما أن كتابه (العلم والسلوك الإنساني)، الذي نشر سنة 1953 يقدم شرح لنظرية إسكنر في التعلم.
أولًا: مفهوم النظرية الاشتراط الإجرائي، يعتبر إسكنر عالم النفس الأمريكي، صاحب نظرية التعلم الشرطي الإجرائي، كأحد أساليب التعلم الشرطي، وقد ميز علماء النفس بين نمطين من المواقف العلمية، التي يتم فيها دراسة عمليات التعلم، أحدهما: يسمى الاشتراط الاستجابي، والثاني: الاشتراط الإجرائي، اهتم بافلوف بالنمط الأول في نظريته عن الاشتراط الكلاسيكي، والفعل المنعكس الشرطي، والذي ينتمي إلى الاشتراط الاستجابي، بينما اهتم إسكنر في نظريته بالنمط الثاني أي: الاشتراط الإجرائي، وقد ركّز إسكنر على هذا النمط نظرًا لقصور النمط الأول في تفسير التعلم.
والذي يعتمد على شرح كمية محدودة من سلوك الإنسان، وأن الاستجابات التي تصدر عن الكائن الحي، غالبًا لا تحدث نتيجة مثيرات محددة واضحة، ولكنها قد تحدث تلقائيًّا مثل: رفع اليد أو الابتسام، ليست هناك مثيرات واضحة أمامها، وفي هذا قد غيّر إسكنر مبدأ التعلم بالمثير أولًا، ثم الاستجابة بأنه قد يحدث الاستجابة أولًا، لابد أن تحدث الإجابة أولًا، ثم يأتي التدعيم بالمثيرات.
أي: أن حول قانون الاشتراط أو الرابطة من م س إلى س م؛ أي: لابد أن تكون هناك استجابة إجرائية أولًا يقوم بها الكائن الحي، ثم ندعمها بالتعزيزات؛ ولذا سُميت نظرية إسكنر بنظرية التعزيز، وقد وَجّه إسكنر اهتمامه إلى السلوك الإجرائي، أو الاستجابات التلقائية نظرًا لأهميتها، التي تتمثل في أن الاشتراط الإجرائي، قد أكّد على وجود طريقة محددة في معالجة إجراءات التعزيز، ففي التجارب التي أجراها إسكنر، يتحتم على الحيوان أن يصدر أولًا استجابة صحيحة، ثم يظهر المثير المعزز أو الطعام.
هذا بعكس ما يحدث في الاشتراط الكلاسيكي، الذي طرحه بافلوف سابقًا، فإنه يترك الحيوان يستكشف بحرية، وأثناء نشاطه هذا يصدر استجابة، تؤدي إلى مكافأة أو معزز؛ ولذا نطرح سؤالًا هامًّا:
ما الفرق الجوهري بين الاشتراط الاستجابي الكلاسيكي، الذي قدمه بافلوف، والاشتراط الإجرائي الذي قدمه إسنكر في تفسيره لعملية التعلم؟
الإجابة على هذا السؤال: هو أن الموقف في التجارب، التي أجراها بافلوف في الاشتراط الكلاسيكي، لا يتطلب أن يكون التعزيز متوقفًا على أداء الاستجابة الشرطية، بينما في الإجرائي، تجد أن الاستجابة هي التي تحدد التعزيز.
2- أن الاستجابات عند بافلوف، تأتي عن طريق المثيرات، ويُرمز لنموذجه بـ م س -كما سبق أن قلت-، أما الاستجابات عند إسكنر في الاشتراط الإجرائي، تصدر تلقائيًّا من الكائن الحي دون مثيرات، ويرمز لنموذجه بـ س م.
3- في التعلم الشرطي الكلاسيكي، يقف المتعلم موقفًا سالبًا؛ لأنه ينتظر حتى يظهر المثير الشرطي؛ ليستجيب له، ثم المثير الطبيعي فيستجيب له أيضًا؛ أي: لأنه لا يؤدي أي تفاعل أو إجراء مستقل في الموقف التعليمي، أما في التعلم الشرطي الإجرائي، فيقف المتعلم موقفًا إيجابيًّا، حيث يتفاعل مع الموقف، حيث لا يتم التعزيز إلا إذا أدى وأعطى المتعلم استجابة معينة وملائمة، يتم بعدها التعزيز.
فروق جوهرية بين تفسير التعلم عند بافلوف كاشتراط كلاسيكي، وتفسير التعلم عند إسنكر، كتعلم اشتراطي إجرائي؛ المتعلم في كلا الموقفين مختلف، حيث إن المتعلم عند بافلوف سالبًا لا يتفاعل مع الموقف، بل ينتظر أن يأتيه العلم من حيث أتى، أو المثير الطبيعي، عند إسكنر، فإنه لا يعطي المعزز إلا إذا تفاعل الكائن الحي مع الموقف، وهنا المتعلم إيجابيًّا.
كذلك غيّر إسكنر النموذج في الاشتراط من م س مثير استجابة إلى س م الاستجابة أولًا، ثم المثير ثانيًا، وهذه هي الفروق الجوهرية بين التفسيرين، من حيث المفهوم للنظريتين اشتراط كلاسيكي، واشتراط إجرائي.
ونستكمل في الدرس القادم الوقائع التجريبية والتطبيقات في نظرية إسنكر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
.............يتبع إن شاء الله..............
منقول للفائد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق